قلت لصديق منذ أيام إن مسلسل “تحت السيطرة” هي العمل الأهم والأخطر في دراما رمضان بما تحمله الخطورة والأهمية من معان إيجابية وسلبية. المسلسل قدم معالجة درامية غير مسبوقة لمشكلة الإدمان مقدمًا نسقًا افتقدته معظم مسلسلات الشهر. توغل المسلسل في أدق تفاصيل الإدمان والحالة التي يكون عليها المدمن في مراحل الإغواء ثم التجريب والإدمان فالتعافي ثم الانتكاس.. الخ.

ودعوني أبدأ من النهاية.. من الحلقة الأخيرة والظهور العبقري للفنان الرائع ماجد الكدواني (رؤوف) في مشهد واحد. قدم الكدواني مشهدًا هو الأكثر كثافة وتركيزًا وبساطة وسلاسة وعمقًا.. قدم كل شيء عن الإدمان في بضع دقائق.. لخص المشوار والقضية في مشهد واحد فقط.. سرد تفاصيل دورة حياة المدمن حتى التعافي (أو الضياع التام)، وتطور ميوله الغريبة التي قد تؤدي أحيانًا إلى السقوط في براثن الإدمان.

وإذا كان الكدواني هو صاحب العلامة (الأجمل والأعمق والأبسط) في نظري.. فإن منافسه الأول في المسلسل هو محمد فراج الذي جعلنا نصدق أنه علي الروبي ولا أحد غيره. (علي) شخصية اجتمعت فيها كل المثالب وارتكب كل الخطايا تقريبًا، لكنه في بعض المشاهد يذكرنا أنه بشر.. وأن هناك جانب إيجابي في أعماق نفسه.. ولعل المشهد الذي لفت نظري في هذا الشأن هو حديثه إلى ابن الرجل الذي يقدم له الحشيش (في مكان مشبوه أقرب إلى الغرزة منه غلى المقهى).. حيث قال علي للفتى بأن عليه البحث عن صنعة يأكل منها عيش وأن يبتعد عن طريق أبيه وأمه. مشاهد الصلاة والتدين الشكلي قدمت لنا معادلة عميقة فالفتى يحاول التقرب إلى الله لكنه في الوقت نفسه يتعاطى فور فراغه من الصلاة.. لأن في الواقع الصلاة ليست كل شيء.. صحيح أن الإيمان قد يعطيك حافزًا للإقلاع لكن ذلك ما لم يكن مدعومًا بعزم وقرار وخطوات حقيقية.. فالأمر لن يتعدى كونه مناجاة كالتي قام بها (علي) مطالبًا السماء بأن توجد الدواء كما خلقت الخشخاش الذي منه صنع الداء… المناجاة عكست صراعًا داخليًا وألم نفسي… ورجاء ويأس في الوقت ذاته… وربما أشياء أخرى!

ولا يستقيم الحديث عن فراج دون الحديث عن جميلة عوض (هانيا).. التي قدمت دورًا صعبًا في تجربتها الأولى.. ونجحت جميلة.. نجحت لدرجة جعلت الكثيرون يكرهونها أشد الكره.. فيما أحبها آخرون كل الحب ونظروا إليها بكثير من التعاطف. وأفضل ما في جميلة عوض (هانيا) أنها عبرت فعلًا عن أبناء جيلها وأبناء هذه الطبقة الاجتماعية بالذات.. عبرت عنهم في طريقة الكلام وطريقة التصرف.. عبرت عن جيل مغرور جامح متمرد عنيد.. (ومغرر به أحيانًا).. صحيح أنها قد تكون ضحية لإهمال الأسرة، لكنها أيضًا ضحية لنفسها وجموحها.. زهذه مشكلة جيلنا والجيل الأصغر.. والدليل على ذلك هو ما رأيناه خلال السنوات الأخيرة في الشأن العام وفي طريقة تعاطي جيلنا مع الأحداث التي جرت في مصر.. والنتيجة هي صفر مطلق.. أو ربما دون الصفر.. تماما كما حصلت هانيا على صفر مطلق.. ولم تحصل على grade A في كل شيء كما قالت!

العلاقة بين هانيا وعلي ليست رومانسية جميلة مضيئة قائمة على الاحتواء كما قال البعض.. أو على الأقل هكذا أرى.. بل بالعكس فقد برعت مريم نعوم في رسم ملامح علاقة سيئة مؤذية فارغة قائمة على المخدر وليس قائمة على أي معنى حقيقي.. الحقيقة أن هانية انجذبت لعلي بسبب جموحه هو أيضًا ليس إلا.. وفيما بعد كان التمسك به رغم كل ما فعله بها بسبب المخدرات.. وكل المنحنيات التي شهدتها تلك العلاقة كان المعالج الدائم لها هو “المخدرات”. الحقيقة أن المدمن أصلًا شخص يفقد أحاسيسه الفطرية بمرور الوقت.. ولذلك فقدت هانيا شعورها بالإهانة عندما غدر بها علي من أجل المخدرات، فيما فقد علي شعوره بالغيرة أو المروءة عندما تركها للديلر.

ولا أحتاج للحديث كثيرًا عن أداء نيللي كريم فهي كالمعتاد تقدم السهل الممتنع وبتطور كبير عن العام الذي قبله. وفي الوقت الذي قدم فيه أحمد وفيق وظافر العابدين أداءًا جيدًا في ضوء المساحة المحددة للدورين، فإني أتوقف كثيرًا عند هاني عادل الذي أرى أن أداءه أكثر هدوءًا وبرودًا مما كان يتطلبه دوره. في المقابل لم تكن جيهان فاضل مقنعة في دور الأم وربما يقع بعض اللوم على السيناريو.. ففي نهاية المسلسل تهرب هانيا مجددًا متوجهة إلى بيت علي، بينما نرى أن والدتها (جيهان فاضل) تتصرف بصورة طبيعية وتظهر في مشاهد مع نيللي كريم دون سبب يذكر، ودون إشارة مثًلًا لأي محاولات للبحث عن هانية أو الاهتمام بأمر غيابها.

ولأن سيناريو وحوار مريم نعوم لا يخلو من إسقاطات ورسائل بين السطور، فإن المسلسل لا يخلو من رسائل موجهة ضد بعض المؤسسات.. وفي الواقع بدا الأمر مفتعلًا وسخيفًا من كثرة التكرار سواء في هذا المسلسل أو غيره من أعمال نعوم. فما الحاجة إلى هذا القدر من الميلومدراما في مشهد القبض على عزة أو عزوز- بائعة المخدرات؟ في الواقع جميع المجرمين يتهمون الشرطة بالظلم عندما يقعون تحت وطأتها لكن إظهار عزة في صورة الضحية ثم في صورة (الجدعة) التي تحرص على مساعدة نيللي كريم (مريم) فتقنع جندي الشرطة باستعمال هاتفه مقابل 50 جنيه كارت شحن.. هو خيار بائس ومبالغ فيه. الأمر ذاته ينطبق على حوار بين وكيل النيابة والضابط الذي يظهر الضابط كما لو كان حريصًا على (سلامة الورق) فقط لا غير.. في الواقع الحوار نفسه مقحم على السيناريو بغير قيمة. وهناك أمور أخرى لا سبيل للاسستفاضة فيها. لكن نعوم أيضًا قدمت لنا التدين الوهمي والتجارة به كما ينبغي. فخال علي الروبي (فتوح أحمد) يؤدي الصلاة في وقتها ويمسك السبحة لكنه بحسب علي أكل حقوق إخوته، والأهم أنه يتعاطى الحشيش. أما الرجل الذي أشرف على الزواج العرفي بين علي وهانيا فهو يضع في مكتبه عبارات ولوحات دينية، وقد ركزت كاميرا المخرج تامر محسن على تلك العبارات في مشهد الزواج العرفي.

رغم وجود بعض الفجوات في السيناريو ورغم التطويل الذي لا طائل منه أحيانًا (وهو داء تفشى في كل مسلسلات رمضان منذ سنين)، فإن (تحت السيطرة) هو أول عمل يتناول مشكلة الإدمان كما ينبغي بتفاصيل علمية ونفسية واجتماعية حقيقية وبمعالجة درامية وفنية فريدة. ويستحق هذا العمل أن يتصدر قائمة الأفضل في دراما رمضان.. ولو كان بيدي أن أختار الأفضل على الإطلاق لاخترت الثنائي فراج والكدواني.

أحمد ناصر

Advertisements