البحث عن اليقين في حياتنا أمر لا يشغل إلا روحًا وثابة ترغب في التصالح مع الحقيقة.. لكن الحقائق الدامغة تظل “حقائق نسبية”.. فلكل منا يقينه، وإن اتفقنا في ذاك اليقين.. فالبحث عنه يتخذ دائمًا سبلًا مختلفة. 

فاليقين المرجو في رائعة صلاح أبو سيف “السقا مات” يختلف عنه في فيلم دارين أرنوفوسكي “PI” لكن البطلين يتفقان في كثير من الملامح الممثلة على الشاشة. 

عزت العلايلي في “السقا مات” يقدم شخصية سقا بسيط يعيش بعد وفاة زوجته مع أمها وابنه محاصر بين الماضي والحاضر، يعيش ذلك الصراع بين وفائه لزوجته المتوفاة وبين رغبة في الحياة، يحفز تلك الرغبة ابنه المشاكس المقبل على الدنيا والذي لا يكف عن السؤال والجدل. يعيش شوشه سجين التأمل في فكرة الموت متمثلًا في ذكرياته مع حبه الوحيد زوجته المتوفاة “آمنه” أحيانًا و معكوساً في حماته الكفيفة، فيظل واقعًا قيد ذلك الصراع.. صراع بين الرغبة في رؤية نور ومتعة الحياة والعجز عن الخروج من شباك شبح الموت. لكن كل محاولات الخروج إلى النور والانغماس في الحاضر تبوء بالفشل، فهو لا يستجيب لمراودات شويكار اللعوب وعندما قبل أخيرًا أن يتقدم للزواج من جارته فوجئ أن الزمان قد مضى والأوان قد فات. 

الأمر ذاته ينطبق على ماكس بطل “PI”، فالرياضي البارع يظل أسيرًا لنزعات متضاربة.. فهو يرى الحياة والأمل والانطلاق في فتاة صغيرة لا تكف هي أيضًا عن السؤال.. ومن ناحية أخرى تراود الشهوة عقله من وقت لآخر.. فأحيانًا يهيأ له أن جارته الحسناء “ديڤي” ذات الأصول الهندية أو الباكستانية تمارس المتعة وتحتل اهاتها عقله كما يهيأ إليه في نهاية الفيلم أنه يحتضنها. البطل يتوق للحياة لكنه يرفضها طوال الفيلم أو ربما يعجز عن رؤيتها لأنه منغمس في جنون البحث عن يقين، عن رقم يفسر كل شيء. فالعالم بالنسبة له هو نسق رقمي منظم ودقيق وإن فك طلاسم ذلك النظام الرقمي المعقد استطاع أن يقترب من يقين. يعزز ذلك صورة قاتمة تسيطر على معظم مشاهد الفيلم.. فالبطل منهمك في الظلام.. يهاجمه الصداع النصفي الحاد والهلوسة ويقودوه إلى الاقتراب من حافة الجنون.

يحاول فريد شوقي (شحاتة) في فيلم صلاح أبو سيف أن يكون صوت الحكمة الساخرة. صحيح أنه شخص غارق في اللذات الحسية – التي تقضي عليه في النهاية -لكنه صوت العقل والحياة الذي يحاول دومًا إقناع العلايلي (شوشة) أن الموت جبان.. والموت يقين.. فلنتصالح مع ذاك اليقين.. ولنؤمن بجبنه… لكن موت شحاتة نفسه يعود بشوشة إلى المربع الأول.

وكذا كان معلم ماكس في PI (سول روبسون)، فهو من ينبهه إلى حقيقة قدراته كبشر ويمثل صوت الحكمة العميقة والعقل المتيقظ.. الذي سرعان ما يذوي أيضًا عندما توخاه حمام الموت. 

ضاقت السبل بالبطلين.. فلا رجال الدين نفعوهما.. ولا المادة قدمت لهما ما أرادا من إجابات – معالج الحاسوب المتقدم بالنسبة لماكس والمهنة المربحة لشوشة.

ماكس يبحث عن اليقين في الرياضيات ويتساءل عن الحياة ونسقها، أما شوشة فهو يبحث عن الموت وحقيقته. في النهاية تصالح كلاهما مع نفسه. فها هو ذا ماكس يقول للفتاة الصغيرة للمرة الأولى في الفيلم “لا أعرف” بعد ان تنازل عن عقلية الرياضية.. يتصالح مع قدراته كبشر ويجلس ليستنشق نسيمًا عليلًا مستمتعاً بحديقة هادئة جميلة… أما شوشة فقد صار شيخ السقايين.. يقبل الحياة كما هي ويقبل الموت كما هو.. ويعكف ولده على ري شجرة كانت قد زرعتها زوجته .. فهو ينتظر ما تبقى له من عمر وينتظر لقاءًا بحبيبته في العالم الآخر، في نفس الجنة التي التقى فيها آمنه.

 الپاى (ط) – عدد ثابت فى الرياضيات رمزه π وهو عبارة عن النسبة بين محيط الدائرة وقطرها

Advertisements